ابن كثير
24
البداية والنهاية
له الممالك شرقا وغربا ، وبعدا وقربا ، وسمي هذا العام عام الجامعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة ، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد ( 1 ) ، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني . وكان على شرطته قيس بن حمزة ، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي ، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها ، وكان أول الاحداث في دولته رضي الله عنه . خروج طائفة من الخوارج عليه وكان سبب ذلك أن معاوية لما دخل الكوفة وخرج الحسن وأهله منها قاصدين إلى الحجاز ، قالت فرقة من الخوارج - نحو من خمسمائة - : جاء مالا يشك فيه فسيروا إلى معاوية فجاهدوه ، فساروا حتى قربوا من الكوفة وعليهم فروة بن نوفل ، فبعث إليهم معاوية خيلا من أهل الشام فطردوا الشاميين ، فقال معاوية : لا أمان لكم عندي حتى تكفوا بوائقكم ، فخرجوا إلى الخوارج فقالت لهم الخوارج : ويلكم ما تبغون ؟ أليس معاوية عدوكم وعدونا ؟ فدعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفيناكموه ، وإن أصبنا كنتم قد كفيتمونا . فقالوا : لا والله حتى نقاتلكم ، فقالت الخوارج : يرحم الله إخواننا من أهل النهروان كانوا أعلم بكم يا أهل الكوفة ، فاقتتلوا فهزمهم أهل الكوفة وطردوهم ، ثم إن معاوية أراد أن يستخلف على الكوفة عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له المغيرة بن شعبة : توليه الكوفة وأباه مصر وتبقى أنت بين لحيي ( 2 ) الأسد ؟ فثناه عن ذلك وولى عليها المغيرة بن شعبة ، فاجتمع عمرو بن العاص بمعاوية فقال : أتجعل المغيرة على الخراج ؟ هلا وليت الخراج رجلا آخر ؟ فعزله عن الخراج وولاه على الصلاة ، فقال المغيرة لعمرو في ذلك ، فقال له : ألست المشير على أمير المؤمنين في عبد الله بن عمرو ؟ قال : بلى ! قال : فهذه بتلك . وفي هذه السنة وثب حمران بن أبان على البصرة فأخذها وتغلب عليها ، فبعث معاوية جيشا ليقتلوه ومن معه ( 3 ) ، فجاء أبو بكرة الثقفي إلى معاوية فسأله في الصفح والعفو ، فعفى عنهم وأطلقهم وولى على البصرة بسر بن أبي أرطاة ، فتسلط على أولاد رياد يريد قتلهم ، وذلك أن معاوية كتب إلى أبيهم ليحضر إليه فلبث ، فكتب إليه بسر : لئن لم تسرع إلى أمير المؤمنين وإلا قتلت بنيك ( 4 ) ، فبعث أبو بكرة إلى معاوية في ذلك . وقد قال معاوية لأبي بكرة : هل من عهد تعهده إلينا ؟ قال :
--> ( 1 ) قال في الاستيعاب 3 / 197 هامش الإصابة : ولاه على قضاء دمشق يوم خروجه إلى صفين . ( 2 ) كذا بالأصل والطبري ، وفي الكامل 3 / 412 : نابي الأسد . ( 3 ) في الطبري 6 / 96 والكامل 3 / 414 : بعث بسر بن أبي أرطأة ، وفي فتوح ابن الأعثم 4 / 168 : عمرو بن أبي أرطأة . ( 4 ) وقد أخذ بسر الأكابر منهم : عبد الرحمن وعبيد الله وعباد . وقال في مروج الذهب 3 / 7 : أخذ ولديه عبيد الله وسالما .